ملح وسكّر

ملح وسكّر| هيَ راودتـنـي عن نفسي!

سألني صديقي: كيفَ حالُ دمشق؟ كان كلُّ شيءٍ يسيرُ على ما يُرام، كانَ كلُّ شيءٍ يسيرُ بشكله الطبيعيّ جداً، فأصوات المدافع والطّائرات تعلو هديلَ حماماتها وشدوَ حساسينها، أبو عماد ما يزال ينظّف الفسحة بجانب بقّاليته التي يلعب فيها أولادُ الحارة الأشقياء، ويكتبُ كعادته اليومية لوحته المشهورة “الدين ممنوع والعتب مرفوع” ويعلّقها بحرفيةٍ عالية على واجهة محلّه الكالحة التي لا تكفي جميع نسخ “الليكيب” الفرنسية لتنظيفها، وملك “السابا” حسام يجلسُ قربَ إطارات عروسته الصفراء التي لمّعها ونظّفها لتوّه رفقة كوبَ شايٍ أسود ويتغزّل بها كما لو أنّها أميرة فاتنة تقفُ على باب قصر فرساي ويغنّي: من عزّ النوم بتسرقني!، بائعُ “التماري كعك” غطّاس يرمقُ جميع المارّة في الحي ويسترقُ السمعَ لحديث ورشة الخياطة القريبة، هذه الورشة لطالما كان أهلها مادةً دسمةً لكلِّ تقاريره الكيدية، وسائقُو “الدوّار الشمالي” ما يزالوا يمارسون طغيانهم علينا، “ما معنا خمسينات ما معنا خمسينات”، وأساتذة محاضرة الثامنة صباحاً إلى الآن لا نستطيعُ أن نهضمَ لهم حرفاً ولا فكرةً، ليس لشيء، فقط لأنَّ معداتنا وأمعاءنا خاوية وفارغة، الأحاديث نفسها، الأشخاص والأمكنة؛ مللٌ يصلُ لحدود الموت البطيء، كانَ كلُّ شيءٍ يسيرُ على ما يُرام، واقعياً وافتراضياً حتى، انقسام “فيسبوكي” حولَ قرار حظر المواقع الإباحية، هجوم واستنكار على القاضي الشرعي الأول بسبب تصريحاته الأخيرة حول زواج القاصرات، الحرب العنصرية بين قناة الجديد وأحد مهرّجي الحيّ، النكات نفسها، الأغاني والعبارات والشعارات الرنّانة، كان كلُّ شيءٍ يسيرُ على ما يُرام إلى أن اصفرَّ وجهُ دمشق، وعبست سماؤها، وهجم عليها الغبار والمرض، أصوات رعدٍ بلا أمطار، تكادُ ألّا تفرّقها مع أصوات الطائرات والمدافع، منظرٌ رهيب، قد أبدع الله في المزج بينَ لونيّ الأصفر والأخضر المتمثّل بعرائشها وأشجارها الملتفّة حولَ البيوت، حتّى إذا مررتَ بإحدى عرائش بيوت المهاجرين، يغويكَ الشيطان ويحضّكَ على سرقة بعضٍ منها أو كلّها كي تعودَ بها إلى والدتك لتقدّمها عربون “صلحة” على خلافك الأخير معها، هنا يا صديقي أصبح التناقض سيد الموقف، أن تعيشَ في دمشق يعني أن ترتبط بالتناقض في كلِّ شيء حتّى بتفكيرك وقراراتك، هكذا، لا إرادياً تصبحُ مثلها، والأمر طبيعي جداً لأننا دائماً نتقمّص شخصية الحبيب، التناقض في الجو، وتناغم لونه مع أخضر أشجارها، تناقض الأصوات والأحاديث والقرارات، تناقض الأخ مع اخيه، الأم مع ولدها، ترقصُ على “كان الزمان وكان فيه دكّانة بالفيّ” وتبكي على “سوف تلهو بنا الحياة وتسخر”، بالأمس كانت دمشق من أسوأ أمكنة العالم وأتعسها، واليوم أجملها وأبهاها، يا للمفارقة ولؤمَ تناقضها!.

يا صديقي كنتُ صائماً عن الكتابة، وعندما ألفيتُها بهذه الصورة والوقائع، راودتني عن نفسي وقدَّت قلميَ من قُبلٍ فصدقت وكنتُ من الكاذبين، وإنَّ دمشق لأمّارة بالكتابة!

-وهل هطل المطرُ بعد هذا الغبار والسواد والتناقض؟

-نعم هطل المطر وغسلَ سماءها المغبرّة لكن ما الفائدة؟ بقي كلُّ شيءٍ على وساخته!

يوميات قذيفة هاون في دمشق| محمد ساس

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق