ملح وسكّر

ملح وسكّر| قرّب يا حبّاب!

معكَ حق، العنوان مبتذلٌ جدّاً، وركيك بعض الشيء، نتفق معاً على هذا الاعتراف المُر، لكنّه ليس عنواناً لزاوية كتبها أحمقٌ فحسب، بل إنّه عنوانٌ لمعرضٍ تشكيليِ قد عَزَمَ الرسّام “الأندبوري” سعيد مسعود على افتتاح أولى أعماله الفنّية فيه.

حينَ سمعَ فناننا العظيم أن الجهات الرسمية وافقت على طلبه في إقامة المعرض، وحدّدت له الموعد الأخير للتسليم قبلَ الافتتاح، لم تسعه الدنيا غبطةً وسروراً، وزّع حلوى الـ “هريسة” على أهالي الحي، وراحَ يؤمّن كل ما يلزمه من لوحاتٍ وألوان وريش من مدّخراته كي يدخلَ خلوته مع تلك الأشياء في مرسمه الذي أعدّه في قبو بيته.

ماذا سأرسم؟ هل أرسمُ لوحاتٍ نخبوية؟ هل أتفلسف على الذوّاقة؟ لماذا لا أكون بسيطاً ومفهوماً للجميع؟ سألَ سعيدٌ نفسه، ثمَّ قرّرَ أن يجعلَ معرضه هذا سوقاً شعبياً، تجولُ فيه كل طبقات المجتمع، منها مَن يريد شراء “البندورة” من أجلِ الكباب الهندي، ومنها مَن يريدُ شراء الحليب من أجلِ صنعِ “المحلّاية” على روح فقيده الغالي، ومنها من يريد شراء “جوارب” جديدة لأخيه، هكذا ستكون لوحاته، كالبضائع التي تملأ الأسواق، بناءً على ذلك سيجعل معرضه “سياسياً- اقتصادياً- رياضياً- اجتماعياً.. إلخ” تحت عنوان “قرّب يا حبّاب”.

شرعَ في الرسم، وبدأ بالذي هو شر، اختارَ لكلِّ لوحاته الألوانَ الزاهية، لكَ أن تتخيّل أنفَ ترامب كيفَ كان باللون الفوسفوري، وفي لوحةٍ أُخرى لسان مندوبته الطويل في مجلس الأمن نيكي هالي، ومخالب الأم الحنونة تيريزا ماي الملوّنة بطلاء الأظافر الأحمر، ونعومة ذلك الفتى الفرنسي الذي بدا في اللوحة طفلاً تداعبه زوجته التي تكبره بأعوام، ورئيس إحدى الحكومات وهو يلتقط “السيلفي” مع كلِّ شيء، لكنّه في اللوحة كان يلتقطها وهو ينظّف أسنانه.

رسمَ في لوحةٍ أخرى جيشين من الصحفيين وأنصاف الصحفيين والمطبّلين والـ”ناشتين”، يقابلان بعضهما، في إحدى الميادين، ويستعدّان للقتال كرمى لعيون عليا “الحلوين”، وكتبَ عليها “نيّالُــن ما أفضى بالن!”.

رسمَ اتحاد رياضة إحدى الدول الاستوائيّة الافريقية على هيئة رجلِ مسنّ ومعه “زهايمر” يطارد فتية “الألتراس” الذين أقدّوا مضجعه من لعبهم المستمر أمام كوخه القديم، أمّا حبيبته المشاكسة فخصّص لها عدّة لوحات بجميع حالاتها المحبّبة إلى قلبه، الحزينة الغاضبة الحانقة السعيدة واللئيمة وعنونها بـ “كلّك على بعضك حلو”.

لقد وصلَ الليل بالنهار، لم ينم إلّا قليلاً خلال ثلاثة أشهر، رسمَ أكثر من خمسين لوحة، في مختلف المجالات، وعندما انتهى، استعدَّ للحفل العظيم الذي سيصادف الخامس من أيار، اختار هذا التاريخ لأنه عيدُ حبّه الأول، وأخذ بدلة زفاف أبيه وعدّل مقاساتها عند خيّاطٍ قريب، لكنّه استطاع شراء ربطة عنق “عصرية”.

إلى الآن لم يسلّم اللوحات، بقيت داخلَ قبوه المظلم، أراد أن يوزّع بطاقات الدعوة على الأحباب والخلّان أولاً ومن ثمَّ يتفرّغ لتجهيز الحفل.

جاء أيار، وكانت المدينة غارقةً بالأمطار، وبسبب ضيق الوقت، خرجَ في الأول منه ليوزّع البطاقات، لكنّ السيول التي تشكّلت كانت أقوى منه ومن كلِّ طموحاته وخياله، إذ جرفته معها بعد خروجه من منزل صديقه أحمد، كانت قوية للغاية، لم ينقذه أحدٌ خوفاً من أن يجرفه السيل العظيم معه، إلى أن اصطدم رأسه بجدارٍ كبير وسقط في فتحة صرفٍ صحّي، هنا أسعفه أهل الحي، لكنّه قد فقدَ ذاكرته من الضربة، وهو الآن بالكاد يتذكّر اسمه.

(القصّة مفترضة ولا تعبّر بالضرورة عن رأي كاتبها)

محمد ساس

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق