ملح وسكّر

ملح وسكّر| رقّ الحبيب!

يعلمُ صديقي ابراهيم سوءَ حالي، وفقري، وتعطّشي لأيّة وظيفة شاغرة، ولكوني أدرسُ في كلّية الاقتصاد، وجدني أهلاً لوظيفة شاغرة في أحد البنوك، قرأ إعلانها في جريدةٍ يومية، رغمَ رفضي لتقديم سيرتي الذاتية الحزينة، وعلمي بالنتيجة مسبقاً، إلّا أنه ألحّ عليّ بالأمر.
 
حسناً ، ذهبتُ في اليوم التالي إلى ذلك المصرف، يالجمال بناءه الفاره!، دخلتُ بهدوء، استقبلتني موظّفة الاستعلامات الجميلة، أخبرتها بشأنِ ذلك الاعلان، وفي كل ترحيب وحفاوة أعطتني ورقة كي أملأ فيها معلوماتي الشخصية وخبراتي السابقة (إن وجدت)، بعد انتهائي، أخذتها منّي وقالت: انتظر منّا اتصال، شكراً لك!
 
الانتظار، لاشيء سوى الانتظار، لقد حطّمتُ الأرقام القياسية بعدد المرّات التي انتظرتُ فيها ردَّ أرباب العمل الذين تواصلتُ معهم، ولا يأتيني أي رد، وفي الوقت ذاته، كنتُ أنتظرُ إحداهنّ، فتاة ظريفة ولطيفة وجميلة قد وقعتُ في حبّها، أعلم أنّك ستقول:” مأنشح وبدّك تحب؟” وأنا قلتُ ذلك أيضاً، لكنَّ زماني رماني في عينيها وقال لي: انساني!
حسب ما غنّى موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب.
 
هل يرقُّ الحبيب فعلاً؟ أسألُ أم كلثوم والقصبجي دائماً، في كلِّ مرّةٍ أجلسُ مستمعاً لرائعتهم، ولا ألقى أيّ جواب، سوى التنهّدات والآهات، إلّا أنَّ في إحدى المرّات، اتصلت بي تلك الفتاة وأخبرتني أنها تريد لقائي، هنا عرفتُ أنّ الحبيب قد رق!
وفي نفس اللحظة، اتّصل بي البنك أيضاً، يخبرني أن الادارة تريدُ مقابلتي، يا لفرحتي بهذا اليوم السعيد!
 
انطلقتُ صباح التالي مسرعاً نحو ذلك البنك، دخلت واستقبلتني نفس الموظّفة الجميلة، أوصلتني إلى مكتب مديرة التوظيف التي يبدو أنها كانت في اجتماع، جلستُ انتظرُ قدومها بعد أن طلبت لي تلك الموظّفة فنجان قهوة وسط.
 
بعد نيّف من الوقت، جاءت الملعونة، رحّبت بي، وقالت: ماذا تحب أن تعمل لدينا؟
أجبت: أي عملٍ يعنى بالأمور المالية والمصرفية، لدي خبرة قليلة بهذا الشأن، وأريد أن أنمّيها في العمل لديكم، وأنا طالب سنة رابعة في كلية الاقتصاد.
 
“كتير حلو تفكيرك بصراحة نحن منفتخر بهيك طلاب” قالت ذلك وأضافت: بس لكونك طالب حالياً وما معك أي شهادة.. مافيه إلا وظيفة واحدة!”
وما هي؟
منظّف للحمّامات والمراحيض..
ما كان عليّ إلا قبول هذه الوظيفة المحترمة ريثما أجدُ وظيفةً أخرى، وعرفتُ حينها أنه ليس فقط الحبيب يرقُّ يا أم كلثوم.
محمد ساس

الوسوم
Loading...

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق