ملح وسكّر

ملح وسكّر| شكراً جزيلاً!

 النوم في رمضان، له لذّةٌ خاصّة، تتمنّى فيه لو أنّك أحدُ فتية الكهف، أو دبٍّ قطبي نامَ منذُ شهور، أو حيوان “الكُوالا” الكسول، لكن كونك طالب “عايف التنكة” تدرس في كلية الطب البشري بدمشق، فهذا وحده يكفي بتبديد كل أمنياتك الوردية.

أخبرني صديقي “ممتاز” أن فحص العملي من “التخدير والانعاش” غداً الثامنة صباحاً، استيقظتُ في السابعة بالأمس، على أنغام منبّه هاتفي المزعجة، لا أعرفُ ماذا ارتديت؟ وكيف خرجتُ من منزلي خلال دقيقتين؟ أعترفُ أنّني لم أدخل في قلب ومعدة الدوار الشمالي قط، وهو أيضاً لم يدخل في قلبي ومعدتي، ونحن الاثنان في خصومة إلى يوم يبعثون، لكن “للضرورة أحكام”، كان ملجأي وسبيلي الوحيد، استقليتُ واحداً، ويا ليتني لم أستقله!.

كان راكباً بجانب السائق رجلٌ ثلاثيني، أخرق، أو “كتّير غلبة” يتحدّث كثيراً، حتى صار يعمل لدى السائق، إذ كان هو من يأخذ ويعطي النقود للركّاب، لا السائق الكهل الضعيف، البارد الأعصاب، والهادئ لحد الموت السريري، يعني شكّلا ثنائياً ولا بالأحلام.

جميع الركّاب صامتون، حالمون بصوت فيروز المنبعث من إذاعة دمشق، إلا ذلك الأخرق والسائق، اللذان لم ينفكّا عن الحديث و”اللعي” المستمر دون جدوى، الكهل يشكو فقره بالخمسينات الورقية والأخرق يصبّره وينادي علينا “يا جماعة ما معنا فراطة”، يتبادلان النكات وينقلان لبعضهما آخر الأخبار، يقول الأخرق للسائق: تخيّل تعدادنا ٢٤ مليون نسمة وبالورقة والقلم، من فرط برودة أعصاب السائق لم يعطه بالاً ولا إجابة على هذه “الخبرية المضحكة” التي وردت من مركز الإحصاء، يخبره أن راتبه ينفقه على أدوية والدته المريضة، وأن وزارة الصحة تنفي غلاء أسعار الأدوية، فيضحك السائق حتى كادت عيناه أن تُفقأ، يخبره أيضاً بالـ”طوشة” التي بلبلت الرأي العام بسبب منع عرض مسلسل ترجمان الأشواق، هنا ردَّ عليه بكل برودة: درامانا بخير!

الوقت تأخر، الحافلة تسير ببطئ، لقد سردا لبعضهما قصة حياتهما من “طقطق للسلام عليكم” على حساب أعصابنا التي احترقت ولم نصل بعد إلى وجهتنا، لكنّ الطامة الكبرى حدثت عندما تعطّل محرك الحافلة في إحدى المناطق، يا لسعادتي! طبعاً أعلن ذلك “الكتير غلبة” أنه أفضل “ميكانيكي” في العالم، ولا أحداً غيره سيصلحه، هنا أردنا النزول والركوب بحافلة أخرى، لكنّه حلف علينا بالطلاق، وبعزّة الشهر الفضيل، أن نبقى ريثما يصلحه، لم أرضَ الانتظار فامتحاني قد بدأ، أبعدته عن طريقي وأشرتُ لـ”تكسي” كان فيها راكبان، قبلا أن أصعد معهما، فطريقهما نفس طريقي، أيضاً وجدتُ هنا “كتّير غلبة” ثانٍ لكنّه السائق نفسه، لم يترك “ستر مغطّى” على وزارة النقل وشرطة المرور وأصحاب “الكازيّات”.. و و إلخ.

وصلت وأخيراً، دخلتُ إلى الكلية، امتحاني بدأ منذُ ثلث ساعة، مُنعتُ من الدخول إلى القاعة، وحرمتُ من علامة العملي، من أشكر الآن؟ بصراحة محتار بين معشر “كتّيري الغلبة” في العالم وبين الحكومة.. لكنّي على الأرجح سأشكر الإثنين معاً!

محمد ساس

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق