ملح وسكّر

ملح وسكّر| اِمتى الزمان يسمح يا جميل؟

-الساعة الآن، الرابعة صباحاً، لقد قُطعت الاتصالات في كافّة أنحاء البلاد.

-ما السبب؟

-أما تعوّدت على هذا التقليد؟ يقطعون الاتصالات كل سنة مع امتحانات الثانوية العامة، منعاً للغش، ودرءاً لتسريب الاسئلة.

رغم أنَّ الغشّاش والمسرّب غالباً يكون أدهى وأذكى من أن يتأثر بهذه الطريقة المبتذلة في مكافحة التسريب والغش، لكن ما العمل؟ هكذا يحكم القاضي كل سنة.

أعرف أعرف أنّك تريد إخباري أن شهادات اعداداية وثانوية وجامعية، تزوّر وتُختم بالأختام الرسمية، على مرأى ومسمع كل تلك الجهات، ولا تحسبني مدافعاً عن هكذا تصرّف بدائي، لكن أريدك أن تسمعني وترى معي الجانب المشرق والمضيء والجميل أيضاً في ظلِّ هذا الحرمان المعلوماتي.

ثمّ بربّك، الساعات التي ستقطع فيها الاتصالات تكون فيها بـ “سابع نومة”، ولن يتأثّر الـ “بيل غيتس” المخبئ داخلك.

-حسناً هاتِ ما عندك.

-لن ترى بعد الآن فلاناً يضعُ إعلاناً على إحدى الصفحات: منزل للأجار- مفروش- في المنطقة الفلانية- السعر 100 الف (أو أكثر حسب المنطقة) مع دفع مسبق لستّة شهور .

لن ترى بعد الآن صوراً لمكيّفات وبرّادات “معفّشة” من إحدى المناطق، ولا صلاح الدين عصره الذي يناضل من أجل مكافحة ذلك المرض، ولا ذلك “الغبي” الذي يعطي مبرّرات، تسمح بـ “التعفيش”.

لن تقرأ بعد الآن تحليلات محمد حسنين هيكل “الفيسبوكي”، الذي ينام على “لنلاحظ معاً” ويستيقظ على “هذا إن دل على شيء فإنه يدل على كذا وكذا”.

لن ترى بعد الآن سيد فيلد زمانه ولا أسامة أنور عكاشة، يكتب رأيه الفذ بنص مسلسلٍ ما، أو نظرته العميقة بأداء ممثّل أو بلقطة مخرج، المشكلة أنَّ هناك حوالي الـعشرة ملايين ناقد درامي سوري “على سنّ ورمح”.

الآن ستتجنب عناء “اللايك” على حفل طهور ابن صديقك، وشقاء “التعليق” على صورة “زهرة اللوتس” الجديدة، وستهرب من “تكريزات” شريكتك الفجائية، التي لا يحلو لها الخلاف إلا في هذا الوقت.

لن تقرأ بعد الآن هذا الهراء الذي أكتبه لك، سترتاح منّي صدقاً.

ولو أنّ “الاتصالات” لا تعلم فوائد “عملتها النضيفة” تلك، إلّأ أنّها تُشكر على ذلك، لكن للأسف، ساعات قليلة، وتعود المياه لمجاريها، ويعود صاحب الألف منزل لطغيانه، وصلاح الدين لنضاله، والغبي لغباءه، وهيكل وسيد فيلد وعكاشة لتحليلاتهم، وسيعاتبك صديقك الذي تخلفت عن حضور حفل طهور ابنه على “الفيسبوك”، وسترجمك “زهرة اللوتس” وستنفصل عنك شريكتك “النقّاقة”.

-طيب ألا توجد عند الجهات المختصة تلك طريقة لتخليصنا منهم للأبد؟ غير قطع الاتصالات؟ (وكان عبد الوهاب يغنّي: الجو كله سكون والورد نام ع الغصون)..

-الله ورسوله أعلم.

محمد ساس

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق