ملح وسكّر

ملح وسكر| فوعة دودة

خلال القرن التاسع عشر، لم يكن معروفاً بعد لدى نسوة اوروبا الجميلات “الريجيم” أو عمليات “الشفط”، وللمحافظة على رشاقتهنَّ وجمالهنَّ، لجأنَ إلى ابتلاع الدودة الوحيدة، والتي ستلتهم نسبةً كبيرةً من الغذاء الداخل إلى أجسامهنّ، فيبقينَ محافظات على ذلك الجمال وتلك الرشاقة، وهو حلٌّ كان قاسياً على ذوات المناعة الضعيفة، إذ  أدى إلى إصابتهنّ بمرور الأيام والشهور بفقرِ دمٍ حاد، ونحول هزيل، وفي بعض الحالات، قتلهنَّ، فكُنَّ “شهيدات الجمال”

لقد سيطرت هذه الطفيلية على أجسادهنَّ، وحياتهنَّ وحاجاتهنَّ، وقراراتهنَّ، مثلما سيطرت على الموظّف المسكين سعيد، في بلدٍ بعيد، إذ ابتلع بالغلط هذه الدودة، فهو يحبُّ أكل “الخس” كثيراً ولم يقوَ على مقاومة “خسّة” كانت تحدّق إليه في أحد الأسواق،  ولأجل حظّه “المعتّر” كانت أيضاً مناعته ضعيفة، ولم يستطع طردها لا بالحلال ولا بالحرام.

صرفَ كلَّ مدّخراته على معاينات الأطباء الجشعين، وفواتير وصفاتهم الطبّية عند الصيدليات “الكلاس”، كانَ يشرب يومياً كيلو من حليب البقر الطازج، كي يهدّئ تلك الطفيلية التي بدأت بالتهام جسمه ونثر بيوضها فيه، ولم يفِ ذلك بالغرض.

ضعف جسمه أكثر فأكثر، يبدو أنَّ هذه الدودة ذات رأسٍ “يابس”، استلف من ربِّ عمله، ومن الأصدقاء، حتّى تعدّت ديونه ديونَ جمهورية اليونان، كان يفعل كلَّ شيء من أجل تلك الدودة، فأصبح عبداً لطغيانها، تأمره بذاك وتنهاه عن هذا، وأمرها مطاع.

ولأنّها ميتةٌ واحدة، وبعد أن ضاقَ به الحال، وساءت صحّته، قرّر بعد أخذ الموافقة من الدودة تلك، أن يُشعلَ موجةَ غضب شعبية مع رفاق فقره، يطالبون فيها بخفض الأسعار، وزيادة الرواتب، وفرض الرقابة الصارمة على معاينات الأطبّاء، وأسعار الأدوية، وملاحقة الفاسدين، ومحاسبة بعض النوّاب، والكثير الكثير من المطالب البسيطة التي ينادي بها الفقراء والمظلومون دائماً، لاقى رواجاً كبيراً لحملته، إلى أن ألقت القبضَ عليه الجهات المختصّة بتهم “التشهير والقدح والذم”.

كان لا يقوى على الكلام بسبب تعبه ومرضه وفقر دمه وانحلاله حين سأله المحقّق:

-من وراءك؟

-الدودة يا سيّدي.

-من يريد تخفيض الأسعار؟

-الدودة يا سيّدي.

-من يريد فرض رقابة على معاينات الأطبّاء وأسعار الأدوية؟ من يريد الرضا الوظيفي؟ من يريد ملاحقة حيتان الأسواق؟ من يريد حياةً كريمة ومحاسبة كل فاسد؟ من يريد محاسبة هؤلاء النوّاب؟ ومن ومن ومن؟

-الدودة يا سيّدي، والله ليس لي ناقة ولا جمل، تأمرني فأطيع أمرها، حياتي متعلّقة بها، ثم إنني أعيش حياةً جميلة لا وجود لأي شائبة فيها، هاك، انظر إلي، أيوجد أفضل من هذا؟

-بعد فترة قصيرة، مات هذا السعيد، لقد انحلَّ جسمه، وشيّعه رفاق فقره شهيداً لتعاستهم، كما شيّعت اوروبا منذ قرنين شهيدات جمالها، والدودة خرجت منه كي تتطفّل على جسمٍ آخر.. أو شعبٍ آخر لا فرق.

محمد ساس

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق