مقالات وآراء

إيجارات دمشق خيالية والليلة الواحدة تصل لـ 5000 ل.س.. الملكية الخاصة مصانة ولا يمكن التدخل

في المرة الثانية التي تبحث فيها عن منزل للإيجار في دمشق لا تبحث في الشوارع العريضة والمناطق التنظيمية الآمنة، وإنما توجه مباشرة إلى أكثر الأحياء فقراً بالهواء والماء وحتى الشمس، لتجد منزلاً يأويك مع عائلتك.

5000 ل.س هو سعر مبيت الليلة الواحدة لكثير من السوريين، ليستطيعوا أن يقطنوا مع عائلاتهم ضمن منزل متواضع، في أحد أحياء دمشق، وإذا كان مخفضاً في بعض الأحيان قد يبلغ 2000 ليرة في اليوم الواحد، مع تنازلات عن رؤية الشمس والشارع النظيف والحياة العادية على أدنى حد، لينتقل العيش حينها إلى أحد مناطق السكن المخالف والعيش المخالفّ.

 

خيارات صادمة وسبل صعبة.. والعيش المشترك هو الحل

يبحث مجد الذي يعمل لإحدى الجهات الخاصة التي لا يتجاوز راتبه فيها 50 ألف ليرة سورية شهرياً عن منزل داخل العاصمة، يغنيه عن الرحلة الطويلة يومياً إلى منطقة المعضمية في ريف دمشق فيذكر لـ «شام إف إم» الخيارات الصادمة التي طرحت أمامه والتي بدأت من 60 ألف ليرة ووصلت لـ150 ألف ل.س للمنزل الفارغ «غير المفروش»، أما الخيار الآخر فكان «المنزل المفروش» بإيجار لا يقل عن 150 ألف ليرة إلى  175ألف ليرة للشهر الواحد، أي ما يعادل 5000 ل.س في اليوم الواحد!

من جهتها قالت الطالبة الجامعية ريم القاطنة في «جرمانا» أن إيجار الغرفة يبداً بـ 25 ألف ليرة، ويصل إلى 60 ألف أحياناً، ما يجلعها تضطر للعمل غالباً خارج أوقات الجامعة، أو أن تعتمد على مصروف ضئيل مقابل دفع الإيجار من قبل أهلها.

فيما لا يرى عامر مشكلة في غرفته المظلمة كونها الجدران الأربعة الوحيدة القادر على دفع أجرتها، ليكون خياره أن يعيش في أحد مناطق السكن العشوائي بغرفة صغيرة “لا يدخل إليها الضو”، بتكلفة لا تقل عن 1000 ليرة لليوم الواحد.

في حين بات السكن المشترك حلاً للعديد من الشباب وحتى العائلات في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي يشهدها المواطن في ظل الأزمة، هذا ما أطلعتنا عليه الصحفية ريم التي اتخذت قراراً مع مجموعة من صديقاتها بخيار العيش المشترك وتقاسم الأجار، الذي يتراوح في غرف «باب شرقي، باب توما» بين 25 ألف ويصل إلى 60 ألف ليرة.

أما سليمان صاحب عائلة وذو الخمسين عاماً، لم يجد بدلاً من دفع إيجار منزله في منطقة «مساكن برزة» لمدة عام كامل ليتمكن من تأمين منزل لزوجته وأولاده بعدة أن خرجوا من منزلهم الأصلي في أحد المناطق الساخنة خلال الحرب، حيث اشترط المؤجر بتقديم دفعات مسبقة قبل القبول بالإيجار، ما يترتب عليه ضغط كبير بدفع مبلغ يقابل أضعاف راتبه في الشهر الواحد، فكيف له أن يستطيع تأمين مبالغ كبيرة وباهظة بهذا الحجم.

العاصمة مقصد الجميع.. وأسعار الإيجارات خيالية!

ويبقى لأصحاب المكاتب العقارية الصوت الأعلى فيما يخص الإيجارات، حيث أكد أحد أصحاب المحال التجارية أن سبب ارتفاع أسعار الإيجارات هو أن العاصمة مقصد للجميع (طلاب – موظفين) قبل فترة الأزمة وحتى بعد انتهائها، وبالتالي الأسعار تبقى كما هي على الرغم من عودة الأهالي في العديد من المناطق إلى منازلهم الأصلية .

وذكر صاحب محل للإيجار في منطقة «مساكن برزة» أن أسعار الإيجارات في دمشق تتوجه بشكل دائم نحو الارتفاع مع العلم أن المستأجرين من أبناء المنطقة، قائلاً: “ماذا لو كان هناك إقبال سياحي على المدينة، كنا سنرى الأسعار أكثر من خياليتها الحالية”، متوقعاً أن أسعار العقارات في دمشق ستنخفض في حال تم السير بعملية إعادة الإعمار وتأمين مساكن جديدة بشروط صحية واقتصادية أفضل.

«الملكية الخاصة مصانة» ولا يمكن للحكومة التدخل!

وتحدث عضو المكتب التنفيذي في محافظة دمشق فيصل سرور عن واقع الإيجارات، موضحاً لـ «شام إف إم» أنه ليس للحكومة أي صلاحية بالتدخل بحقوق الممتلكات الخاصة وفقاً لما تنص عليه المادة «50» من الدستور التي تتضمن «الملكية الخاصة مصانة»، وبالتالي لا يحق لأي قانون أن يصدر عن السلطة التشريعية بشكل مناقض للدستور.

وأكد سرور أنه خارج صلاحية أي شخص أو هيئة التدخل في تسعيرة إيجارات المنازل ذات الملكية الخاصة، مشيراً إلى إمكانية التدخل بالعقود المختصة بالإيجارات، حيث حددت المحافظة الحد الأدنى لقيمة العقد بأن لا يقل عن 500 ل.س في الشهر الواحد، نتيجة تحديد المتعاقدين للتسعيرة بقيمة 100 ليرة للتهرب من الرسوم المترتبة عليهم، مع العلم أن القيمة المذكورة في هذه العقود منافية للواقع، إلا أن العقد بالتراضي بين الطرفين وبالتالي لا يمكن تغييره.

وذكر سرور أنه يمكن لأحد طرفي العقد أن يقوم بتقدم طلب للقضاء بدعوة «إكراه أو غبن» بتسجيل المبلغ المذكور في العقد، في حال كان منافياً للحقيقة، ويتم من خلاله تعويض المدعي عن الأضرار المادية، وفسخ العقد.

وقال سرور: “من واجب الحكومة تأمين سكن مناسب للمواطن، وإنما لا يوجد أي قانون أو دستور يلزم المؤجرين بقيمة معينة أو تسعيرة محددة، وفي حال التدخل سيغلق المواطنين منازلهم ويمتنعون عن الإيجار”، لافتاً إلى القانون 111 عام 1952 والذي تم وفقه تمديد مدة العقود بقوة القانون، كما تم تعديله بفترة لاحقة وخفض الإيجارات بشكل ملزم، إلا أنه تم الاعتراض على هذا القانون وأُلغي لاعتباره غير عادل.

هنا في دمشق ستجد واقعاً خيالياً قاسياً أرخى بظلاله على حياة المواطن، ليصبح امتلاك منزل في أحد شوراع دمشق أقرب للحلم لكثير من السوريين، في ظل حق بسيط من امتلاك مأوى لكل مواطن يحفظ له كرامته، لكنها لغة الحرب التي لا تعترف بحق أو استقرار لأي كان.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق