خاصملح وسكّرمنوعاتوضع البلد

ماهر المونّس يكتب: دفتر التلفونات! من بقي منهم حيّاً..

في محل قديم، بحارة فرعية، من حارة أخرى، من طريق ضيّق أوله في شارع مكتب عنبر وآخره حارة مسدودة، يقع هذا المحل الذي يجلسُ فيه صاحبه مع “كراكيب” دافئة، ويقوم بعمله في رسم نقوش الأغباني قبيل طباعتها.

لفتتني كل التفاصيل الصغيرة في هذا الكوخ السرّي، لكن أكثر ما شدّ ناظري هو “دفتر الهاتف” الذي ربّما لا يعلمه كثيرون من أبناء الأجيال المتلاحقة.

في الوقت الذي لم تكن هنالك هواتف ذكيّة، تساعد الذاكرة على الكسل والغباء، كان ذوونا يسجّلون أرقام الهواتف على دفتر مرتّب وفق الأحرف الأبجدية، فـ أسامة مثلا، يكون في صفحة حرف الألف، الاسم وبجانبه الرقم.

وتبدو المسألة أكثر صعوبة حين يكون للشخص اسم ومهنة، مثلاً، الحلّاق أبو نضال ، واسمه فؤاد، في هذه الحالة علينا أن نتذكر كيف دوّنا الاسم على الدفتر، أو علينا أن نبحث عنه في أحرف الحاء (الحلاق) والألف (أبو) والفاء (فؤاد).

وكان مفهوم “البلوك” حينها، هو شطب الاسم باللون الأحمر بشكل كامل، وهذه العلامة أيضاً للدلالة أيضاً على أن صاحب الرقم قد توفّي أو سافر.

بقي لدينا هذا الدفتر، وفيه الكثير من الأرقام “الدسمة” حتى خروجنا من منزلنا في برزة، إذ تركناه مع جملة ما تركنا، ويبقى هذا النوع من كراكيب المنزل لسنوات وسنوات، حتى لو امتلأ عن آخره، إذ يركنُ الدفتر البنّي في الدرج، ليقوم من رقاده حين تستدعي الحاجة لرقم قديم.

وفي نهاية هذا الدفتر، جيبٌ صغير، توضعُ فيه أرقام “الكوّى، واللحام، والنجار، والسمكري” وغيرهم من أصحاب المحال في الحي..

ويشتهر هذا الدفتر بإنّه “كثير الضياع” فهو بمتناول يد الجميع، وأحياناً يأخذه أحدنا ليتفقّد رقماً ما، وينساه على الرف أو داخل غرفته، وتبدأ الأم جولتها وصياحها “كم مرة قلتلكم ما حدا يقيم الدفتر من جنب التلفون”

وطالما تحدّثنا عن الهاتف، فعلينا ألا ننسى أمجاد الهاتف القرص، الذي يدور ويدور بحسب الأرقام المدوّنة.

رزق الله..

 

ماهر المونّس – يوميات قذيفة هاون في دمشق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق