وضع البلد

معدات ومنازل للفرجة.. تُلهب شهوات ذوي الدخل المحدود !!

ثمة أمران يستحقان الوقوف عندهما مطولاً، سرعان ما لفتا انتباهنا خلال تجوالنا على أجنحة الدورة الستين لمعرض دمشق الدول؛ الأول يتعلق بالبيوت الجاهزة 100% للسكن الفوري، والثاني له علاقة بالآلات الثقيلة المعدة لأغراض الإعمار والبناء وترحيل وقضم الأنقاض وغيرها من الأعمال اللازمة في هذا الخصوص، اللافت بالموضوع هو عدم رواجها في السوق السورية رغم الحاجة الماسة لها، فإذا ما اعتبرنا أن الآلات التي تبدأ أسعارها من 60 مليون ليرة وتصل إلى 500 مليون تندرج ضمن سياق الحاجات الخاصة لكبرى الشركات والمؤسسات الحكومية المعنية بهذا الشأن، إلا أن المنازل الجاهزة للسكن الفوري ذات بعد شعبي لدى شريحة لا بأس بها تعرضت بيوتها للدمار الكامل نتيجة ما مرت به البلاد من ظروف قاسية إذ يبدأ سعر المنزل الصغير بمساحة نحو 60 متراً مربعاً حوالى 10 ملايين ليرة سورية..!

من المبكر الحكم

تناولنا لهذا الموضوع بالتأكيد لا يأتي ضمن سياق الترويج لمثل هذا المنتجات، ولكن الازدحام على هذين الجناحين لفتا نظرنا، وتوقعنا انسياب معروضاتهما في السوق السورية كالنار في الهشيم، إلا أن واقع الحال يظهر أن غرابة شكل الآلات جذب الزوار للاستفسار عن ماهيتها، وخلال حديث مع إداريي الجناح تبين عدم إبرام أي عقد مع الشركة الوكيلة لا من القطاع العام ولا مع القطاع الخاص، ومع أنه قد يكون من المبكر الحكم على جدية التعاطي الحكومي والخاص مع هذه المنتجات النوعية جداً، إلا أن المؤشرات لا تنبئ بالتفاؤل لجهة النية بالخوض بغمار الإعمار الحقيقي، ولاسيما من قبل القطاع الخاص المعوّل عليه كشريك استراتيجي في المرحلة المقبلة.

خياران

أما بالنسبة لجناح المنازل الجاهزة، فرغم أن أسعارها مشجعة وفق تأكيدات صاحب الشركة المنتجة لها، إلا أن ما يعوق انسيابها في الأسواق السورية هو انخفاض القدرة الشرائية، ما يستوجب في هذا المقام العمل باتجاه إما دعم هذه الشرائح، أو منح تسهيلات ائتمانية مصرفية تمكن الشريحة المتضررة من اقتناء هذا المنتج الحيوي، حتى لو اعتبرناه إسعافياً نظراً لسيادة ثقافة الاعتماد على البناء التقليدي ذي التكلفة الأعلى مقارنة مع الجاهز، والممكن بناؤه على دفعات حسب توفر السيولة خاصة في الأرياف. مع الإشارة هنا إلى حيثية مهمة تتمثل بأن تطبيق معايير العمارة الخضراء في المنازل الجاهزة للسكن الفوري أكثر من نظيرتها التقليدية.

أطراف عدة

وفي غمرة الحديث عن الإعمار وتحديداً ما يتعلق بقطاع البناء والتشييد نجد أن هناك أطرافاً كثيرة لها علاقة بهذا القطاع الضخم والمتنوع، منها منتجو وموردو مواد البناء والتشييد، وممولو ومالكو مشروعات البناء والتشييد، والمقاولون والكادر الاستشاري وجهات المراقبة والضبط، وغيرها، وذلك وفقاً لما أوردته السياسة الوطنية للعلوم والتقانة والابتكار، التي أشارت إلى مواطن الضعف بهذا القطاع والمتمثلة بتقادم التقانات الموجودة فيه، والدخول الخجول للتقانة العالية إليه، وعدم وجود مهارات عالية، وضعف تطور الخبرات التقليدية للعاملين بهذا القطاع، وبطء مواكبتهم للتقانات الحديثة، إضافة إلى الدمار الهائل في الأبنية والبنية التحتية، من جراء الأزمة التي تتعرض لها سورية، وتدهور وضع العديد من الشركات الإنشائية، ومعامل إنتاج مواد البناء ومواد الإنشاء، علماً أن ثمة فرصاً للارتقاء بهذا القطاع، منها وجود إمكانية للاستثمار فيه، وفتح فرص عمل لكافة العاملين، وتنشيط القطاعات المنتجة الأخرى، كما أن الاستثمار في قطاع البناء والتشييد يؤدي إلى إحداث صناعة متطورة، وتأمين قيمة مضافة لمواد البناء والإنشاء المحلية، وكذلك تنشيط للموارد البشرية، وتعميق مهارات العاملين في هذا القطاع، بالتوازي مع إمكانية استقطاب شركات عالمية كبرى متخصصة في البناء والتشييد، والاستفادة من خبراتها، ولاسيما في ظل توفر تقانات عالمية وبرمجيات متطورة يمكن الاعتماد عليها في عمليات تخطيط وتصميم وتنفيذ مختلف المشاريع، وإمكانية إعادة تخطيط وتنظيم المناطق المدمرة وبنائها بطريقة حديثة.

حلول

وإذا لم نستطع استثمار هذه الفرص فإن هذا القطاع سيكون أمام مخاطر استمرار التراخي في تطبيق أنظمة البناء، وعدم التنسيق بين الجهات ذات الصلة بهذا القطاع وكثرة عددها، وعدم القدرة على الوصول إلى التقانات العالية، ما يستوجب بالنتيجة وفقاً لما خلصت إليه السياسة إلى تشكيل فريق من الخبراء في مجال التصميم والإشراف والتنفيذ، للقيام بمسح ميداني وتقييم جميع المناطق التي تعرضت للتخريب، ووضع الحلول المناسبة لإعادة الإعمار لكافة منشآت البنية التحتية والخدمية والسكنية حسب الأولويات، وإعداد مخطط إقليمي تأشيري لكافة المدن والأرياف، تُحدد فيه وبشكل مبدئي مواقع المناطق الصناعية والزراعية والسكنية والتجارية المناسبة، لتتمكن الدولة من إتمام عملية التوطين والإعمار، بشكل يتماشى والتخطيط الإقليمي، وإنشاء قاعدة معلومات عن الكفاءات العلمية والتقنية والإدارية وعن المواد والآليات، ..إلخ ذات الصلة، إضافة إلى تأهيل كوادر باختصاصات حديثة، مع أتمتة طريقة العمل “إدارة المشاريع، توثيق المعلومات، طرائق التصميم، ..إلخ”، بالتوازي مع ربط الجهات التنفيذية بالعملية البحثية من خلال التواصل المستمر، عن طريق مديريات التأهيل والتدريب، وإحداث مركز بحوث للبناء، كذراع بحثي لوزارة الأشغال العامة والإسكان، إضافة إلى مساهتمه في تطوير المناهج التعليمية التقنية والهندسية على مستوى المدارس والمعاهد التقنية والجامعات، ووضع مواصفات مطورة لنوعية مواد البناء ومواد الإنشاء المنتجة محلياً والمستوردة، وإخضاعها إلى مراقبة جودة عالية، واعتماد آلية متطورة لتصنيف الشركات والمؤسسات العاملة في التنفيذ وفق أحدث المعايير العالمية ومراقبة أدائها، بالتوازي مع تطوير التشريعات والقوانين الناظمة لقطاع البناء والتشييد خاصة نظامي العقود، والكودات، وإنجاز الخارطة الرقمية وفق المعايير الدولية لاستثمارها في إدارة البنى التحتية، وتوثيق المباني في المخططات العمرانية، مع إعداد دفاتر شروط فنية عامة تقنية ومالية وحقوقية جديدة ومرنة تسمح باستيعاب تقانات البناء الحديثة، وتطوير مخابر مواد البناء الوطنية لتتناسب مع التقانات الحديثة.

المصدر: البعث

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق