وضع البلد

الملف الذي نام عشر سنوات في إحدى الوزارات يستفيق “على عَجَل”!

ثمة شكوك قد ترتقي إلى درجة القطعية في العقد 52 عام 2009 الذي أبرمته وزارة الصحة مع شركة إنزو الإيطالية لتوريد وتركيب تجهيزات ووسائط نقل لزوم ستة مشافٍ، وتتمثل هذه الشكوك بالمخالفات القانونية والمالية والإدارية لجهة تطبيق النظم الحاكمة للعقود، ومنها قيام الوزارة بتنفيذ الربع النظامي للعقد المذكور بعد الانتهاء من تنفيذ العقد الأساسي بسنوات عديدة، وهذا مخالف للقوانين النافذة والأنظمة والبلاغات، إذ لا يمكن -حسب أحد الخبراء الماليين- القيام بتنفيذ الربع النظامي لأي عقد بعد الانتهاء من العقد الأساسي، موضحاً لـ”البعث” أنه يحق المطالبة بتنفيذ الربع النظامي فقط أثناء تنفيذ العقد وغير ذلك هو مخالفة صريحة لقانون العقود.

تهاون وتواطؤ
مدير مركزي بوزارة الصحة أكد أن العقد المذكور هو لتوريد وتركيب لست مشافٍ تابعة لوزارة الصحة “مشفى سالة في محافظة السويداء، ومشفيي القطيفة والنشابية بريف دمشق، ومشفى الشيخ بدر خزنة بمحافظة طرطوس” موضحاً أن مدة تنفيذ العقد هي 220 يوماً منها 120 يوماً مدة التوريد، والمدة المتبقية للتركيب، أي أن العقد يجب أن يبدأ في العام 2009 وينتهي على أبعد تقدير في الشهر الرابع من العام 2010، إلا أن التهاون الذي مارسته الوزارة تجاه المتعهد أدى إلى تأخر تنفيذ العقد للعام 2014، والذي تم بموجبه الاستلام الأولي والنهائي للعقد المذكور على عدة مراحل، وذلك بموجب محاضر استلام متتالية وبالتالي تكون الوزارة قد أنهت هذا العقد، مع الإشارة إلى أن قيمة العقد المذكور وصلت إلى 13.979 مليون يورو، مشيراً إلى أنه وبغض النظر عما سببه التأخير من إحراجات للوزارة فإن الأخيرة أعادت فتح ملف هذا العقد من جديد منذ أشهر من هذا العام من خلال مطالبتها للمتعهد بتنفيذ ربع نظامي للعقد المذكور، مبيناً أن هذا الأمر يعتبر مخالفة وتجاوزاً في تطبيق الربع النظامي الذي يجب تنفيذه خلال مدة العقد الأساسي وليس بعد انتهائه، وذلك وفق ما نص عليه قانون العقود 51 لعام 2004 “لا يجوز إجراء الربع النظامي لأي عقد بعد انتهاء العقد الأساسي وأن الربع النظامي يمكن تنفيذه أثناء العقد”. ولفت المدير إلى أن ما سبق ذكره موثق ضمن إضبارة العقد رقم 52 لعام 2009.

مغالطات بالجملة
وفي محاولة للوقوف على صحة ما ورد من معلومات حول هذا الموضوع حاولت “البعث” التواصل مع مدير العقود في الوزارة لكن للأسف باءت جميع المحاولات بالفشل، ما دفعنا إلى وضع بعض الأسئلة حول الملابسات والمخالفات القانونية للعقد المذكور، واستمرت الأسئلة في التداول أكثر من عشرة أيام لتأتي الأجوبة بأن العقد المذكور لا يزال في مرحلة التسليم الأولي لبعض المشافي وذلك بسبب عدم جاهزية بعض مواقع المشافي لاسيما موقع مشفى خزنه بطرطوس، وأنه رغم مرور 8 سنوات على أساس العقد فإنه لا يزال مفتوحاً، ويحق للوزارة طلب تكليف المتعهد بربع نظامي للأعمال والتوريدات ولاسيما أنه لم يكن هناك تأخير في التنفيذ، لكن المعلومات المتوفرة لدينا في هذه الجزئية من الإجابة تؤكد على وجود محاضر استلام مؤقتة تحولت إلى محاضر نهائية، بما فيها أجهزة مشفى خزنة، وذلك استناداً إلى بلاغ صادر من رئاسة مجلس الوزراء، وهنا السؤال: كيف يمكن صرف قيمة كامل المبلغ للعقد المذكور والبالغ 13.979 مليون يورو طالما أن العقد لا يزال مفتوحاً..؟
وتضيف الوزارة في معرض أجوبتها بأنه تم اختيار بنود التجهيزات للمشافي الستة بما يتوافق مع مصلحة الوزارة والحاجة الماسة إليها، وأوضحت الوزارة أنه تم تقديم تعديلات فنية على الأجهزة المراد توريدها ضمن الربع النظامي بما يتلاءم مع التجهيزات الحديثة، إذ إن هذا الموضوع تمت دراسته من قبل لجنة قنية متخصصة اعتمدت على عروض فنية وكتلوكات للتجهيزات المزمع توريدها والتي تبين أنها جديدة وتلائم التطورات الفنية، كل ذلك دونما تغيير بالسعر الثابت لمدة 8 سنوات ولا بشروط التعاقد، ويبقى التساؤل مشروعاً هنا لماذا لم يتم اختيار بنود التجهيزات المذكورة وفقاً لقانون العقود 51، وذلك باللجوء إلى الإعلان، ولماذا اللجوء إلى الربع النظامي وهو المخالف للقانون في ظل انقضاء أكثر من أربع سنوات على انتهاء العقد..؟
ولفتت الوزارة إلى أن جميع التجهيزات التي ستورد ضمن الربع النظامي أجهزة جديدة وحديثة وبنفس أسعار العقد وهذا من مصلحة الوزارة بحيث إنها ستأخذ أجهزة حديثة بأسعار ثابته منذ تاريخ العقد مما يحقق للوزارة وفراً مادياً كبيراً، وذلك في حال تم التعاقد على نفس التجهيزات ضمن العام الحالي، وهنا يمكن القول: إن الوزارة تسعى إلى الاجتهاد الذي هو حقيقة مخالف للأنظمة والقوانين إذ إن الفقرة 62 من قانون العقود تشير صراحة إلى أن تطبيق وتنفيذ الربع النظامي يجب أن يكون بنفس الأسعار والشروط والمواصفات الفنية للعقد الأساسي دون أية تعديلات فنية. ونفت الوزارة ارتكابها أية مخالفة لاسيما لمواد القانون العقود إذ يوجد تكليف بتنفيذ الربع النظامي منذ العام 2011 العقود، وأضافت أنه حتى لا تقع في المحظور طلبت من زميلتها وزارة المالية الاستشارة في هذا الموضوع، وكان جواب الأخيرة بأنه لا يوجد مشكلة قانونية في تنفيذ الربع النظامي، وأوضحت الوزارة أنه سيتم تمويل الاعتماد من تتمة القرض الأوربي لاعتبارات لم تكن واضحة في رد الوزارة علماً أن تتمة القرض الأوربي هي 5.1 ملايين يورو، وأن استثمار هذا المبلغ يتطلب حكماً موافقة الاتحاد الأوربي.

مخالفة صريحة
بدوره الوكيل الإداري للجهاز المركزي للرقابة المالية نضال ديوب أشار بوضوح إلى أنه لا يجوز تنفيذ الربع النظامي لأية عقد إلا ضمن فترة تنفيذ العقد الأساسي وذلك حسب ما جاء في الفقرة 62 من قانون العقود 51 لعام 2004 إذ تشير إلى أنه يجوز لآمر الصرف زيادة الكميات المتعاقد عليها أو إنقاصها خلال فترة تنفيذ العقد بنسبة لا تتجاوز 30% لكل بند أو مادة وذلك بنفس الشروط والأسعار الواردة بالعقد، مشيراً أيضاً إلى أنه لا يجوز تنفيذ التكليف بعد انتهاء العقد، مبيناً أنه لا يمكن تمويل الربع النظامي لأي عقد إلا من القرض الممنوح للعقد الأساسي ولا يجوز قانوناً سحب التمويل من قرض آخر. من جانبه أكد مدير الشؤون القانونية بوزارة المالية وعضو لجنة تدقيق العقود في رئاسة الوزراء جمال المرزوق عدم قانونية تنفيذ الربع النظامي للعقد المذكور طالما أن فترة تنفيذ العقد انتهت منذ أربع سنوات، موضحاً أن وزارة المالية تقدم استشارات إلى الجهات العامة ولكنها غير ملزمة، وتقع المسؤولية على الوزارة المعنية في اتخاذ أي إجراء يخالف القانون.
بالمحصلة لابد من الإشارة إلى أن ملابسات هذا العقد طال عمرها وعلى وزارة الصحة القيام بتصحيح هذه الملابسات من خلال التعامل مع هذا الملف ضمن النظم والقوانين النافذة بعيداً عن الاجتهاد والتفسيرات الخاطئة، ولابد أيضاً أن تقوم الأجهزة الرقابية بفتح هذا الملف والتأكد من صحة ما أوردناه من معلومات حول هذا العقد مع الإشارة إلى جميع الوثائق والثبوتيات بإضبارة العقد المذكور.

المصدر: البعث

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق