أخبار محلية

“في بيتنا بكالوريا”.. اختلف الزمن واختلفت الأجيال ومازالت “بدّا هز كتاف”

لا يختلف أي سوري على خصوصية سنة الثانوية العامة “البكالوريا”، بما فيها من تغيرات على حياة الطالب من تعب وجهد مضاعفين عن كل السنين السابقة.

ولطالما كانت المسؤولية والخوف الذي يسميه البعض “رُهاب البكالوريا” هاجس يشغل الطالب وأسرته بل محيطه أجمع، في سيناريو مكرر سنوياً، ومختلف من جيلٍ لآخر.

ومع اختلاف الأجيال واختلاف ظروف الحياة واختلاف المدارس والمناهج والزمن يبقى طابع سنة “البكالوريا” نفسه بعنوانه العريض “بدا هز كتاف” مع بعض الفروقات التي تضفيها ظروف الحياة وقساوة الحرب التي مرت على السوريين.

وفي ختام موسم امتحانات شهادة “البكالوريا” لعام 2019 أجرى تلفزيون الخبر حديثاً مع أشخاص من ثلاثة أجيال سوريّة مختلفة عمرياً، روى كل منهم تجربته خلال سنة التقدم إلى امتحان الثانوية العامة وما استجد عليه من تغييرات، بينه وبين الأجيال التالية، مع توصيف لنظرة كل منهم إلى تجربة الآخر.

فشوقي الأسدي الذي تقدم للبكلوريا مرتين تحقيقاً لحلمه كان أولها عام 1973، يقول لتلفزيون الخبر: إنه “في عامه الأول للثانوية العامة، حصل على مجموع خوله للدخول إلى المعهد المتوسط الهندسي”.

وأضاف “استغلالاً للوقت من منطلق المسؤولية – الذي يرى أنه كان موجوداً بشكل أكبر لدى أبناء جيله- قرر دراسة المعهد، وبعده التحق بالخدمة العسكرية”.

ويتابع شوقي أنه “قبل تسريحه بأشهر قليلة قرر التقدم للامتحان مرة أخرى، وفعلاً درس في مدة زمنية قصيرة تسبق الامتحان، ونجح، وحقق مجموع يخوله لدراسة الأدب الإنكليزي وتحقيق حلمه، دون أي توجيه من الأسرة”.

وأردف “كانت التجربة نابعة من إرادة وقوة داخلية، ممزوجة مع الالتزام والمسؤولية التي كنت أشعر بهما، والتي لا أجدها اليوم عند معظم أبناء الجيل الحالي”.

ويصف شوقي الظروف الدراسية على وقته قائلاً: “لا شك أنه كانت هناك دورات ودروس خصوصية لكنها لم تكن شائعة كيومنا هذا، بل كانت في الغالب مقتصرة على الأغنياء، نظراً لضيق الأحوال المادية عند غالبية الأسر، حيث اكتفت الأسر “الدرويشة” بدورات بسيطة كانت تنظمها اتحادات الشبيبة وغيرها من الأمثلة المقدور عليها”.

ويرى شوقي أن “الفرق بين أبناء جيله والجيل الحالي هو كثرة الملهيات أمام الطلاب اليوم، كذلك حال الطالب في عدم إعارته المدرسة حجمها الحقيقي ولا ينظر لها بالجدية كما الأيام السابقة، بالرغم من أن مصادر المعرفة متاحة بشكل أكبر أمامهم على عكسنا، كنا فقط ملتزمين بالمعلم والمدرسة والكتاب”.

ويبين شوقي من تجربته كمربٍ ووالد لأربعة أبناء من أجيال مختلفة نسبياً أن “الالتزام الدراسي أمر نسبي لا يمكن القول أن جيل ما أفضل من جيل، إنما يرجع ذلك للطالب نفسه، فتجد ابناً يدرس ويلتزم ويحقق النتائج المرجوة، وآخر يسبح في بحر من الملهيات”.

وتابع “كيف لنا كآباء اليوم أن نمنع أبناءنا من مشاهدة كأس العالم خلال أيام الامتحان، وهم يعرفون عن كل لاعب اسمه، وجنسيته، وتاريخ تنقلاته، أكثر مما يعرفون عن التاريخ العربي؟”.

أما سلاف عين ملك التي تقدمت “للبكلوريا” سنة 2004 تؤكد لتلفزيون الخبر أنها “لم تكن الإبنة التي تحتاج لأحد أن يدفعها للدراسة، بل كان اجتهادها في الدراسة واضحاً، راسمة لنفسها حلماً تسعى لتحقيقه، دون الحاجة لحرمانها من أي ملهيات من قبل أهلها”.

وعن التغيرات داخل أسرتها خلال سنة الشهادة، بينت سلاف أنه “في البيت كنت بحاجة دائمة للهدوء “برمي الإبرة بسمع رنتها”، أمر كان أشبه “بحظر التجول” على حد وصفها، لدرجة أن والدتي كانت تقول “سلاف أنا صالبتها” بمعنى أنها ممسكة بي من كل الجوانب كي أدرس”.

وأشارت سلاف إلى أنها “لم تحتاج إلى الانتقال من مدرستها الحكومية، خلال العام الدراسي، والمدرس الخصوصي كان في الأشهر الأخيرة فقط للتأكد من سلامة الحفظ، وتركيز المعلومات لا أكثر”.

وأضافت “على عكس ما يجري اليوم من “موضة” اللجوء إلى الدروس الخصوصية وتحميل الأستاذ مسؤولية الطالب ودرجاته وقدرته الدراسية”.

وتذكر سلاف أنه “في سنة تقدمي للبكلوريا بدأ الموسم الأول من برنامج الغناء “ستار أكاديمي”، ولا أخفي أني كنت أتابعه واستمتع به، لدرجة أنه في ليلة التقدم لامتحان اللغة العربية، أخذني والدي للقاء المتسابقين في أحد فنادق دمشق، مما استلزمني أن أسهر الليل كله وأنا أدرس، ثم ذهبت للامتحان بساعتين نوم فقط”.

وأكثر ما كان يُفرح سلاف في سنة البكلوريا “هو طبخة “اليالنجي” التي كانت تدللها أمها بها، وتأكل منها حتى تصاب بالألم”.

لكن سلاف تحزن على طلاب البكلوريا الحديثين “كونهم مروا بظروف أصعب من تلك التي عشتها، فلا المدارس هي نفسها مدارس الأمس، ولا المناهج بذات القوة، ولم يعد يعني الطالب أن يذكر أي شيء منها، ناهيك عن ظروف الحرب في السنوات الأخيرة”.

وتتابع سلاف “أرفع القبعة اليوم لكل طالب استمر في الدراسة سواء المدرسية أو الجامعية وحقق أحلامه، وأجد أن كل استهتار وطيش يقوم به الطلبة، ما هو إلا تعويض وتفريغ عن الصعوبات الأخرى التي يلاقيها الطالب في الحياة عموماً”.

ويتفق شوقي مع سلاف في وجهة نظرها، ويضيف عليها بأن “شهادة البكلوريا كعنق الزجاجة من يخرج منها بنجاح كبير يرسم لنفسه مستقبل جيد، أما من يتعثر بالخروج، يضيع من عمره الكثير، خاصة وأن النجاح لأبناء هذا الجيل بات يتطلب جهداً أكبر مما بذلناه نحن”.

ويوضح “فمثلاً لم تكن الدرجة أو الدرجتين تسبب فرقاً في حياة الطالب كما اليوم، حيث كانت الهندسة تحتاج إلى 190 درجة أما طالب اليوم ب190 درجة لا يخول الدخول لكلية التجارة”.

أما جودي السحار (طالبة بكلوريا)، تروي لتلفزيون الخبر ما مرت به خلال عامها الحالي، ” لم يضطر الأمر لسحب “الموبايل” مني، حاولت ضبط استخدامه قدر الإمكان، لدرجة أن كل الأفلام والمسلسلات التي اعتدت متابعتها عليه، حاولت الحد منها خلال العام قدر الإمكان”.

وتغيرت في سنة البكلوريا عدة أمور ذكرت منها أن “غرفتي المشتركة مع اختي أصبحت لي وحدي، بغرض تأمين جو مريح للدراسة، ويحاول أفراد أسرتي على الدوم خفض صوت التلفزيون قدر الإمكان، كذلك كل مصادر الضجيج، حتى أن حفيدنا الصغير سافر مع أبويه كي لا يزعجني صوت بكائه”.

وقالت جودي: إنها “لم تنتقل من مدرستها الحكومية خلال عام البكلوريا” كونها ترى أن “الأساتذة جيدين بالمجمل”، لكن ما جرى أن إدارة المدرسة قررت تغيير أستاذ اللغة العربية الجيد للصف الثالث الثانوي، ومعلمة الفلسفة التي اعتدنا على أسلوبها المبسط والجيد، مما اضطرني لأخذ الدروس الخصوصية، ثم التسجيل في معهد رديف للمدرسة”.

وذكرت جودي كونها “آخر العنقود” في أسرتها أن إخوتها “الشاطرين” لطالما يستنكرون الحاجة للدروس والمعاهد، مخبرينها “على أيامنا ما حدا ساعدنا وخلصنا بكلوريا بأعلى العلامات مو متلكن”.

وترى جودي أنه “حتى الأهل لم يعد لديهم الجلد على تدريس ومساعدة أبنائهم كما السابق، بالرغم من تقارب اختصاص والدي من موادي العلمية، إلا أنه من الصعب مساعدة طالب البكلوريا من قبل شخص لا يدرس المنهاج كمعلم المدرسة أو المعهد”.

ويعود شوقي ليؤكد أنه اليوم “لا يمكن منع الطالب من التسجيل في أي شيء رديف لتقوية مهاراته العلمية، وأنا أعطي الأولوية المطلقة لأي حاجة تعليمية أجد أن أولادي بحاجة لها، من منطلق إصلاح نقاط الضعف الموجودة لدى أي طالب، ولا يقتصر الأمر على سنة الشهادة، بل يجب تدارك الأخطاء قبل الوصول إلى البكلوريا”.

ومع كل الاختلاف أو التشابه لدى أي جيل مر على “البكلوريا” ، تبقى هذه السنة من الحياة خالدة في الذاكرة بحلوها ومرها، وسيحاول الآباء والأمهات على الدوام تغيير طابع حياة الأسرة ولو حتى بتفاصيل دقيقة، أما عن المقارنة بين جيل وآخر، تبقى جملة “على أيامنا كانت الأمور أصعب” هي القاسم المشترك بين كل الأجيال.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock