لاجئين

كيف تُعد الوظائف المؤقتة للمهاجرين؟؟

انتقلت جوزملي فاسكويز، مساعدة فنية في الهندسة الميكانيكية وموسيقارة تبلغ من العمر 24 عاما، من فنزويلا إلى كولومبيا منذ عامين، وتعمل الآن في مجال توصيل الطلبات والطرود على الدراجة الهوائية، لدى تطبيق “رابي”، الكولومبي للتوصيل الذي اكتسح المنطقة مؤخرا.

واشتهر هذا التطبيق في العاصمة الكولومبية بوغوتا بأن معظم العاملين لديه مهاجرون من فنزويلا جاؤوا هربا من الجوع والفقر في بلادهم.

ودشن تطبيق “رابي” ثلاثة رواد أعمال عام 2015، ولم يكد يمر ثلاث سنوات حتى تخطت القيمة السوقية للشركة حاجز المليار دولار في عام 2018. لكن هذا النجاح الكبير تزامن مع اشتداد الأزمة في فنزويلا، التي أجبرت أربعة ملايين مواطن من فنزويلا على الفرار، في ظل تصاعد السخط الشعبي جراء التضخم وانقطاع الكهرباء ونقص الطعام.

وكان تطبيق “رابي” بمثابة طوق نجاة للكثيرين من المهاجرين الذين يحتاجون بشدة إلى وظائف. وفي الوقت الذي يرى فيه العمال الكولومبيون أن المهاجرين أسهموا في تدني الرواتب، فإن بعض الخبراء يتساءلون ما إذا كان تطبيق “رابي” بنى نجاحه على أكتاف المهاجرين الفنزويليين.
القوى العاملة الجديدة

بدأت شركة “رابي” في شكل خدمة لتوصيل طلبات البقالة للمنازل، ثم توسعت فيما بعد لتصبح تطبيقا شاملا، يضم خدمات وخصائص عديدة، من التسوق بمتاجر الأطعمة والأدوية وتوصيلها (تطبيق إنستاكارت) وتوصيل طلبات المطاعم (أوبر إيتس)، والسحب النقدي والحوالات المالية عبر الهاتف المحمول (فينمو). ويقوم عمال “رابي” أيضا بتنفيذ مهام بسيطة بحسب طلب العميل، مثل التسوق وتوصيل الطرود الصغيرة (تاسك رابيت).

ودشنت الشركة فروعا جديدة في ستة بلدان في أمريكا اللاتينية، ولديها أكثر من 100 ألف عامل توصيل. وبعد أن تجاوزت قيمتها السوقية مليار دولار، استثمرت فيها مجموعة “سوفت بانك” اليابانية مليار دولار في العام نفسه.

ولم تفصح “رابي” عن أعداد العمال الفنزوليين بالتفصيل، خشية تأجيج مشاعر الكراهية ضد المهاجرين في المنطقة، لكنها ذكرت أن 30 في المئة من عمال التوصيل لدى فروعها في أمريكا اللاتينية مهاجرون.

لكن الخبراء الاقتصاديين والمنظمات الأهلية ذات الصلة بالهجرة والأكاديميين يؤكدون أن أغلب العاملين لدى شركة “رابي” في العاصمة الكولومبية وغيرها من الدول، مثل الأرجنتين، مهاجرون من فنزويلا، ما يشير إلى أن “رابي” استفادت بشكل غير مباشر من الأزمة في فنزيلا.

وبحسب تقرير للبنك الدولي، فإن المهاجرين الذين كانوا في حاجة ماسة للوظائف، ساهموا في تخفيض الرواتب في الدولة.

لكن سايمون بوريرو، أحد مؤسسي شركة “رابي” ينفي تماما مزاعم الاستفادة من أزمة المهاجرين. ويقول: “نحن نفخر بتعيين الفنزويليين. لكننا لم نخطط لتعيينهم لأنهم يتقاضون أجورا أقل”.

ويستحوذ المهاجرون على النصيب الأكبر من الوظائف المؤقتة وقصيرة الأجل في الكثير من الدول على مستوى العالم، لكن كولومبيا شهدت تدفقا كبيرا للمهاجرين أدى إلى تغيير تركيب القوى العاملة في البلاد.

يقول كريستوبيل بيردومو، أحد مؤسسي صندوق “جاغيوار” الاستثماري: “لم تستفد الشركة من تدفق المهاجرين بتخفيض الأجور ولا بإعطاء المهاجرين أجورا أقل، لكنها عمدت إلى تثبيتها، فلو كانوا يدفعون 50 بيزو مقابل كل توصيل للطلبات العام الماضي أو منذ عامين، سيدفعون نفس المبلغ العام الحالي ولن يعترض العمال الفنزويليون”.

لكن بوريرو يقول إن الأجور لم ترتفع بسبب اتساع قاعدة عملاء الشركة، ما أدى إلى زيادة الطلبات وزيادة المبالغ التي يتلقاها العامل إجمالا.

هل تأثرت الأجور؟

لم يكن من السهل على كولومبيا، التي لا تزال تعاني من تبعات الحرب الأهلية بعد عقود من انتهائها، دمج الفنزويليين في سوق العمل. وفي عام 2017، بدأت الحكومة في إصدار تصاريح عمل للمهاجرين الفنزويليين حتى تساعدهم في أن يصبحوا عمالا شرعيين، وكذلك أرقام تسجيل رسمية تتيح لهم الاستفادة من الأنظمة الصحية والتعليمية.

لكن سوق العمل لم يستوعب هذا العدد الهائل من المهاجرين بسهولة. ففي كولومبيا، يعمل نصف العاملين تقريبا في وظائف بدون عقود قانونية. وخلص تقرير أجرته جامعة روزاريو ومؤسسة كونراد أديناور إلى أن 0.7 في المئة فقط من المهاجرين الفنزويليين عثروا على وظائف في القطاع الرسمي، بينما يعمل 45 في المئة في القطاع غير الرسمي، الذي لا يخضع للنظام الضريبي والرقابة الحكومية.

وتعزو ماريا كلارا روبيا، التي شاركت في إعداد التقرير، صعوبة عثور الفنزويليين على وظائف في القطاع الرسمي إلى أن تصاريح العمل تنتهي بعد عامين فقط، وقد يحجم أصحاب العمل عن تعيين عمال على وشك الرحيل.

ويشير غواتاكي من جامعة روزاريو، إلى كراهية الأجانب، إذ لم تعتد كولومبيا على استقبال المهاجرين، ولا يزال الكثيرون يفضلون تعيين المحليين.

وترتب على تدفق المهاجرين الكثير من التبعات على اقتصاد كولومبيا، كان على رأسها تدني الرواتب. إذ أشار تقرير للبنك الدول، لم ينشر بعد، إلى أن كل زيادة في أعداد المهاجرين بنسبة واحد في المئة، يقابلها انخفاض بنسبة ثلاثة في المئة في أجور الكولومبيين، وهذا يشمل الكولومبيين الذين انتقلوا إلى فنزويلا هربا من الحرب الأهلية ثم عادوا إليها في خضم الأزمة في فنزويلا.

يقول جيرمان كاروسو، خبير اقتصادي بالبنك الدولي: “هناك عدد محدود من الوظائف في كل بلد يقابله عدد محدود من العمال، فإذا زاد عدد العمال دون أن يترافق مع زيادة في عدد الوظائف، سيوظف أصحاب العمل عمالا بأجور أقل”.

وفي إحدى التظاهرات العام الماضي، ذكر عمال كولومبيون بشركة “رابي”، أن الشركة خفضت أجور جميع عمال التوصيل إثر مجيء المهاجرين الفنزوليين، الذين ارتضوا بالعمل نظير أجور زهيدة لأنهم كانوا في حاجة ماسة للمال.

لكن بوريرو يقول إن الشركة غيرت نظام الأجور العام الماضي ليعكس المسافات التي يقطعها عامل التوصيل وليس بسبب موجة المهاجرين. ويضيف أن الشركة تُعاقب بسبب ممارسات الشركات الأخرى التي استغلت انتشار الوظائف المستقلة والمؤقتة لتدفع أجورا أقل من الحد الأدنى للأجور.

وبحسب بوريرو، فإن الشركة تدفع أجورا تفوق الحد الأدنى للأجور في أمريكا اللاتينية بمرتين ونصف. ويبلغ الحد الأدنى للأجور في كولومبيا 258 دولارا شهريا، ويحصل عامل التوصيل على دولار عن توصيل طلبات المطاعم، وأربعة دولارات عن المهام الأكثر تعقيدا.

ويعتمد توجيه الطلبات لعامل التوصيل على تقدير الزبائن لخدمة التوصيل، ولهذا قد يحصل العامل الجديد على طلبات أقل.

ويقول إيستيبان غيراردو، عامل توصيل كولومبي، إنه لم يعد بإمكانه جمع المال الكافي من العمل لدى شركة “رابي” بسبب كثرة المهاجرين الفنزويليين. ففي بعض الأيام قد يتقاضى دولارين وربع فقط بسبب قلة الطلبات.
أمر إيجابي

صحيح أن المهاجرين على مستوى العالم يستفيدون من زيادة اعتماد الشركات على الموظفين المستقلين لتنفيذ وظائف مؤقتة وقصيرة الأجل، لكن الخبراء يقولون إن المنصات مثل “أوبر” و”ليفت” وغيرها قد تعد سلاحا ذو حدين.

وتقول كيرستين سينبروتش، من معهد انعدام المساواة الدولي بكلية لندن للاقتصاد: “إن انتشار الوظائف المؤقتة يمثل فرصة سانحة للمهاجرين، لأنهم سيعثرون على وظيفة في اليوم التالي لوصولهم إلى البلد”، غير أن مخاوف عديدة أثيرت بشأن انعدام الأمان الوظيفي لهؤلاء العمال، الذين قد يعملون لساعات طويلة ولا يتمتعون بحماية اجتماعية”.

وتتعامل شركة “رابي” مع عمال التوصيل على أنهم موفرو خدمات مستقلين، وتؤمنهم ضد حوادث العمل فقط، لكن الشركة لا تتحمل أقساط تأمين صحي ولا معاشات. وتعلل ذلك بأن العامل يتصل بالتطبيق 12 ساعة أسبوعيا، ومعظم العمال يعملون خارج ساعات العمل في وظائف أخرى لتحسين الدخل.

والمشكلة الأخرى أن الوظائف المؤقتة والمستقلة لا تتيح للعامل الترقي والتطور المهني، ومن ثم تجعل المهاجرين عرضة لتقلبات سوق العمل. ويقول غواتاكي: “لن يتمكن العامل، بسبب انخفاض الأجور، من ادخار المال للإنفاق على التعليم. فهذه الوظائف لا تساعد العامل على الترقي الطبقي والاجتماعي”. ويصف تطبيق “رابي” بأنه “برنامج عمل إغاثي” للمهاجرين الفنزوليين في كولومبيا.

ويحذر كاروسو من أن دمج العمال عبر قطاع العمل غير الرسمي قد يعوق قدرة كولومبيا على الاستفادة من المهاجرين على المدى الطويل.

ويقول فيليب مونوز، المسؤول الحكومي المكلف بإدارة أزمة المهاجرين، إن الهدف الآن دمج المهاجرين الفنزوليين في القطاع الرسمي، حتى يساهم الجميع بنصيب في نظام التأمين الاجتماعي.

ويضيف: “نحن نعي جيدا مخاطر العمل في القطاع غير الرسمي، لكننا نرى أن وجود شركات مثل “رابي” وغيرها أمر إيجابي، لأنها على الأقل تساعد المهاجرين في الحصول على وظيفة”.

BBC

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock